المهارات الثلاث!
- عمرو قيس
- Dec 17, 2019
- 2 min read

فى الماضي القريب جداً كنا ندرس ما يسمى "بمنحنى الاقتناء" "Adoption Curve" وهو المنحنى الذي يقيس الفترة الزمنية من تقديم تكنولوجيا جديدة أو منتج جديد حتى يصل الى درجة التشبع من حيث اقتناء 90% او أكثر من المستهلكين له. فمثلاً، عند طرح السيارات والهاتف الأرضي بالأسواق لأول مرة في العقد الأول من القرن العشرين احتاج الأمر لأكثر من ثمانون عاماً ليصلا لمرحلة التشبع. بينما احتاج المحمول وشبكات التواصل الاجتماعي إلى اقل من خمس سنوات فقط للوصول لمرحلة التشبع منذ لحظة تقديمهما للأسواق. وهو ما حول شكل المنحنى المذكور الى صاروخ وجعل العصر الذي نعيش فيه يحصل عن استحقاق على لقب" عصر الاضطراب" "Age of Disruption " لما يتسم به من تواتر متسارع في كافة المجالات. ما يجعل الكثير مما ألفناه وتعلمناه غير ذي صلة بما نشهده من تطور وتحديات متسارعة، وبالتالي، يفقد الكثير من خبراتنا القيمة والصلاحية في التعامل مع تلك المستجدات. وإلا لما أفلست شركة" توماس كوك" مؤخراً لعجزها رغم خبرتها التي تزيد عن 178 سنة على المنافسة في ظل قواعد اللعبة الجديدة والمستجدات التي طرأت على مجال السياحة. ولما عجز عتاة السياسة في أمريكا وإنجلترا رغم خبرتهم الطويلة على توقع التأثير القوى لشبكات التواصل الاجتماعي على انتخابات الرئاسة الأمريكية واستفتاء " Brexit" في إنجلترا.
وتعد تلك مجرد البداية لهذا العصر؛ حيث ستتوالى المستجدات التكنولوجية في مجالات مثل " الذكاء الاصطناعي" و "الهندسة الوراثية" و " الروبوتات" وغيرها. ومن ثم سيتوالى الاضطراب فيما ألفناه سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعيا وبالطبع، ستؤثر تلك الاضطرابات على الجميع نفسيا ومعنويا.
ولعل كل ما سبق كان دافعاً لعلماء الإدارة والتنمية البشرية للبحث وإعادة النظر في المهارات التي يجب التدريب عليها واكتسابها بعيداً عن المهارات الإدارية التقليدية ليصبح الشخص مؤهلاً للتعامل مع عصر اهم سماته الاضطراب المستمر. ولعل اول تلك المهارات كما لخصها " كارتيك كريشنان" الأستاذ بجامعة نيويورك ورئيس مجموعة " بريتانيكا" للموسوعات العلمية وأنظمة المعرفة، هي "Learning Agility" أي خفة الحركة والرشاقة والذكاء في التعليم. حيث أن هذا الاضطراب المتسارع سيجعل ما تعلمناه وخبرناه بالأمس لا يصلح مع ما سنواجهه غداً، وهو ما يتطلب ترك ما تعلمناه"Unlearn" والبدء في التعلم من جديد. Learn-Un-Learn-Re-learn. لذا لا يمكن ان نركن الى ما تعلمناه مفترضين بأنه سوف يجدينا نفعاً في كل المراحل التالية من حياتنا. وهو ما أدى الى إعادة تعريف الأمية بأنها ليست من لا يقرأ أو يكتب ولكن من لا يستطيع التعلم ثم التخلي عن ما تعلمه ثم يعيد تعليم نفسه من جديد. وهو بالطبع ليس بالأمر السهل وما يزيده صعوبة في الكثير من الأحيان هو وقوف كبريائنا في سبيل ذلك حيث ان ذلك يتطلب ان نعترف في كثير من الأحيان بعودتنا الى نقطة الصفر في التعليم وبأن كثير من خبراتنا التي نعتز بها لم تعد ذات قيمة او فأئده.
أما المهارة الثانية فهي الصلابة والمرونة "Resilience" متمثلة في القدرة على النهوض بعد السقوط والفشل؛ حيث سيصبح تعدد مرات الفشل أمراً طبيعياً في هذا العصر. وستكون العبرة ليست بقوة السقوط او عدد مرآته ولكن بالقدرة على سرعة النهوض واستكمال المسيرة بعد كل مرة. وتكمن العقبة الكبرى في سبيل ذلك في الميل لتقمص دور الضحية بدلاً من تقييم الموقف والتعلم من الأخطاء بشكل موضوعي.
ويعد التفاؤل هو المهارة الثالثة؛ حيث يشكل الطاقة والوقود الذي يدفع الشخص ويحفزه لإعادة التعلم مراراً وتكراراً وسرعة النهوض من العثرات ومرات الفشل الكثيرة التي سيواجهها.
أخيراً، اود التأكيد على ان تلك المهارات الثلاث (رشاقة التعلم + الصلابة والمرونة + التفاؤل) لا ُتكتسب فقط من خلال برامج التدريب والتعلم، بل تتطلب أيضا الكثير من الترويض النفسي .. ولعله الشق الأصعب!













Comments