مصر والأطلنطي
- عمرو قيس
- Feb 25, 2020
- 2 min read

على الرغم من أن مؤسسة BBC الإعلامية العريقة قد قاربت على الاحتفال بمرور 100 عام على إنشائها، حيث تأسست عام 1922، إلا أن ما تواجهه حالياً لا يضمن لها الاستمرار والحياة لعام 2022 للاحتفال بتلك المئوية. حيث تعتمد تلك المؤسسة في تمويلها على ضريبة تفرضها الحكومة على المواطنين مقابل الحصول على تلك الخدمة الإعلامية. ووفق القانون، يتعرض المتخلف عن سداد هذه الضريبة للسجن. وتشكل تلك الضريبة حوالي 75% من إجمالي إيرادات ال BBC. إلا ان قطاعاً كبيراً من الشعب وكذلك نواب البرلمان يرى أن فرض هذه الضريبة واعتماد تلك المؤسسة عليها لم يؤد فقط الى ترهلها وعدم كفاءتها ولكن وهو الأهم الى فقدان قدرتها على التواصل مع المواطن بمحتواها الإعلامي. ومن ثم يطالبون بإلغاء تلك الضريبة. بل وقد قام الآلاف من المواطنين بالتوقف عن سداد تلك الضريبة بالفعل ليس لعدم قدرتهم ولكن احتجاجاً على سوء المحتوى رغم السجن الفعلي لخمسة منهم. فهم يرون بأن المحتوى الإعلامي الجيد يجعل المواطن مستعداً بمحض إرادته أن يدفع في مقابل الحصول عليه وليس إجباراً كما يفعل في مقابل الحصول على السلع والخدمات الأخرى. كما انه لو قدر لل BBC أن تستمر فيجب أن ينحصر عملها على المحتوى الإخباري وتجويده وعدم منافسة الشركات الخاصة في انتاج المحتوى الترفيهي من أفلام ومسلسلات.
أما على الشاطئ الآخر من المحيط الأطلنطي، فقد فطن القائمون على الإعلام في أمريكا لهذه الحقيقة مبكراً. ففي مجال الإعلام المقروء والذي راهن الكثيرون على وفاته في ظل التكنولوجيا والإعلام الرقمي، قامت صحيفة نيويورك تايمز منذ عشر سنوات بإطلاق نسختها الرقمية بمقابل وراهنت على تقدير المواطن لهذا المحتوى الجيد. والآن أصبح لديها أكثر من 5 ملايين مشترك يدفعون طوعاً مقابل الحصول على هذا المحتوى الجيد ويتفاعلون معه على الوسائط الرقمية بالشكل الذي يجعل الجريدة تتواصل بشكل مباشر معهم لتتعرف على انطباعاتهم واحتياجاتهم وتغيرها أولاً بأول بما يجعلها على تواصل دائم معهم وقادرة على تقديم المحتوى الذي يلبى احتياجاتهم.
أما في مجال الإعلام المرئي فلدينا بالطبع "نتفلكس" والتي يزيد عدد مشتركيها عن 167 مليون مشاهد والتي تعتمد كلياً في إيراداتها على هذا الاشتراك دون الاعتماد على مليم واحد من أموال المعلنين. بل وتستغل قاعدة البيانات العملاقة عن المشتركين لديها في إدارة محتواها بالشكل الذي يجعلها على تواصل دائم معهم وفي التعرف على احتياجاتهم وميولهم أولاً بأول عن طريق تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. وحتى "ديزني" التي لم يمر على تدشينها عام واحد أصبح لديها أكثر من 29 مليون مشترك.
يحدث كل هذا في ظل الانخفاض الشديد في نسب مشاهدة قنوات التليفزيون التقليدية مقابل الزيادة المطردة في المشاهدة الرقمية. وتشير البيانات وبحوث المشاهدة الى أن من بين ال 50 محتوى الأكثر مشاهده في التليفزيون 47 يمتلك حقوق بثها اتحاد الكرة الأمريكي والتي يحصل بها على 5 مليار دولار من قنوات تليفزيون مثل "Fox" و "NBC" و "CBS" وغيرها مقابل تلك الحقوق. ولكن من المتوقع بحلول عام 2022 وهو عام تجديد التعاقد، أن يحصل على تلك الحقوق عمالقة البث الرقمي بشكل حصري؛ حيث أن لديهم القدرة المالية الآن لدفع مبالغ تفوق قدرة قنوات التليفزيون التقليدية مقابل الحصول على تلك الحقوق من أتحاد الكرة الأمريكي، وهو ما يشكل تهديداً حقيقياً لاستمرار تلك القنوات.
الآن، وقد عاد الحديث عن إصلاح وتطوير مؤسسات الإعلام في مصر، قد يكون من المفيد جداً استخلاص بعض العبر مما يحدث على ضفاف الأطلنطي، حيث أنه ليس بعيداً عنا كما يظن البعض.













Comments