top of page

فقه الأولويات

  • عمرو قيس
  • Apr 7, 2020
  • 2 min read


لقد بات من المؤكد أن ازمة الكورونا الحالية تختلف تماما عن كل الأزمات التي شهدها العالم من قبل. ليس فقط لكونها أزمة مزدوجة بشقيها الصحي والاقتصادي وأثرهما العنيف، ولكن لشمول نطاقها الجغرافي كل انحاء العالم، وكذلك لقوة وعنف أثرها وسرعة انتشاره. فمثلا عندما حدثت الأزمة الاقتصادية الكبرى عام 2008 فقدت البورصة وأسواق المال 30% من قيمتها بعد مرور عامين منذ بدء الأزمة، بينما تحقق ذلك بعد مرور أقل من شهر منذ بدء الأزمة الحالية. وهو ما يدلل على صعوبة التنبؤ بعمق تأثير هذه الأزمة بشقيها، وكذلك صعوبة التنبؤ بمداها الزمني. وإن كانت التقديرات الأكثر تفاؤلا تتوقع أن لا نشهد أي تحرك اقتصادي ملموس قبل حلول الربع الاخير من العام الحالي لتستمر رحلة التعافي حتى سنة 2023 ليصل الاقتصاد إلى الوضع الطبيعي.


وبناءً على ذلك، فإن فقه الأولويات يجب أن يكون حاضرا بقوة في التعامل مع هذه الأزمة سواء على مستوى الأفراد أو مؤسسات الأعمال أو الحكومات. وهو ما يعني المفاضلة بين الأعمال من حيث أيها أولى بالتقديم على غيرها. وبما ان تقليل الأثر الاقتصادي والمدى الزمني للازمة الاقتصادية يكمن في القدرة على السيطرة على انتشار الوباء، فيجب أن يحتل الملف الصحي الأولوية الأولى سواء على الجانب الوقائي أو العلاجي. وأن يتم توجيه كافة الموارد المادية اليهما قبل التفكير في معالجة الأثر الاقتصادي للازمة مثل شراء أسهم في البورصة للحد من انخفاضها على سبيل المثال وليس الحصر. وتعتبر الاجراءات التي تؤمن دخل العمالة اليومية وتساعد الشركات على الحفاظ على العاملين بها اجراءات صحية أكثر منها اقتصادية؛ حيث لا يمكن اقناع المواطن بالالتزام بالتباعد الاجتماعي كأحد اجراءات الصحة الوقائية دون تأمين قوته وقوت أسرته. ولكن هذه المزايا والاجراءات تكلف الحكومة الكثير، لذا لا يصح أن ُتمنح للشركات بغض النظر عن احتفاظها بعمالتها أو الاستغناء عنها. كما أن تأثير هذه الأزمة يتفاوت من قطاع إلى آخر، وبالتالي، فإن المساواة في منح هذه المزايا بنفس الدرجة لكل القطاعات سيكتنفه اهدار للموارد إذا ما اتفقنا بأن الهدف من تلك السياسات الحكومية صحي في المقام الاول وليس اقتصادي.


أما على مستوى ادارة الشركات، فيجب أن تكون لديها أيضًا القناعة بأن الطريق الوحيد للتغلب على عثرتها المالية هو التركيز على الشق الصحي لكي تعود الأمور إلى حالتها الطبيعية في أقرب وقت ممكن. وذلك ليس فقط للعاملين ولكن للمجتمع ككل وبشكل حقيقي بعيدا عن حملات العلاقات العامة والاعلام. ويتحقق ذلك ليس فقط من خلال توفير بيئة عمل تحميهم من العدوى بل والعمل على عدم الاستغناء عن العمالة وذلك للأثر الصحي السلبي السابق ذكره لهذا الاجراء. فبدلا من الاستغناء عن بعض العاملين يمكن الاستغناء عن بعض المزايا العينية، أو تأجيل الزيادة والحوافز السنوية بصفة مؤقتة لكافة العاملين، أو حتى التخفيض المؤقت للمرتبات بنسب معقولة على الجميع.


أما على مستوى الأفراد، فبجانب الالتزام بالقواعد الصحية التي بتنا نحفظها عن ظهر قلب، يجب علينا أن ُنعمل فقه الأولويات في كل شيء، بدءً من خروجنا من المنزل وانتهاءً بإنفاقنا ومشترياتنا. ويجب ان نعي بأننا جميعا سوف نتضرر من هذه الأزمة، ويجب ان يتقبل كل منا نصيبه من الضرر بصدر رحب، بل ويحاول تقليل الضرر عن الأكثر ضررا بقدر الإمكان، وذلك ليس من قبيل المثالية وانكار الذات، ولكن لأنه من الناحية العملية السبيل الوحيد للخروج من الأزمة.


فواقع اليوم قد وضع انسانيتنا في اختبار صعب، فهل ننجح؟


 
 
 

Comments


Search By Tags
Who Am I?

Dr. Amr Kais is a participating faculty at the AUC, a designated lecturer of various institutions, a Certified Management Consultant & Coach, also the founder and MD of Ipsos Egypt which is now the largest research company in Egypt and Middle East.

Other Posts
More on the web
Follow Me
  • Facebook Basic Black
  • Twitter Basic Black
  • Black YouTube Icon

© 2016 Amr Kais

bottom of page