العملاق
- عمرو قيس
- Apr 14, 2020
- 2 min read

هدنة قصيرة من الكورونا وزمانها وعودة إلى زمن الشباب الذي كنا فيه أكثر حظاً لوجود الكثير من الكتاب العظماء الذين أسهموا في تكويننا الثقافي والانساني والوجداني.. ليس فقط بكتاباتهم ولكن بسيرهم الذاتية الُملهمة أيضًا.
بالطبع لا يتسع المجال هنا لاستعراض كل اسمائهم وافضالهم. ولكني أخص هنا بالذكر الكاتب الكبير الراحل مصطفى أمين، ليس فقط لأن ذكرى وفاته قد حلت هذا الأسبوع (13/4/1997)، ولكن لقدرته الفائقة على التعبير عن المشاعر الانسانية وايصال الأحاسيس بسلاسة وبعمق. فقد كنت انتظر مقاله اليومي "فكرة" بشغف شديد وكأنها رسالة يكتبها لي شخصيا وليست مقالا يكتبه للعامة، بما جعلني احتفظ بالكثير من مقالاته حتى الآن وأعيد قرأتها وأجد فحواها لا يتقادم بل يزداد قيمة بمرور الزمن. ذلك على الرغم من أنى لم أشرف بلقائه أو الحديث معه إلا مرة واحدة في عزاء والدي رحمه الله. وعرفانا مني بفضله علي، فإنني استأذن في نشر مقاله الاخير الذي كتبه عشية وفاته ونشر يوم 14/4/1997 في جريدة الاخبار التي أسسها:
"قد تلتقي بإنسان لأول مرة في حياتك، وبعد دقائق تشعر انك عرفته العمر كله. وقد تعيش طول حياتك مع إنسان في بيت واحد، ثم تكتشف بعد سنوات طويلة انك لم تعرفه أبدا. الانسان الغريب ليس هو الانسان الذي لم تقابله من قبل، وإنما هو الانسان الذي قابلته ولم تعرفه. وتحدثت معه ولم تفهمه، وعشت معه فازددت به جهلا! والزمن لا يحل ألغاز البشر ولا يكشف سرهم. ربما يزيدها تعقيدا وغموضا وابهاما. بعض الناس يضع قناعا على وجهه فإذا نزعت القناع رأيت وجهه الحقيقي. وآخر يضع عدة اقنعة، فإذا نزعت قناعاً وجدت قناعاً.
ويحدث أن ترى انسانا تختلف معه في كل شيء. وبعد دقائق من اللقاء تذوب كل هذه الفوارق وتختفي، وتحس أنك تقترب منه وهو يقترب منك فكرا ومسافة وشعورا وفهما. تسمع الكلمة قبل ان ينطق بها. تضحك للنكتة قبل أن يقولها. تقتنع بالرأي قبل أن يشرحه. ثم لا تصدق عينيك أن هذا أول لقاء بينكما. لا يمكن! هذا الوجه ليس غريبا عني! هذا الصوت مألوف على أذني! هاتان العينان أعرف لونهما من قبل! وتتوهم أنك رأيت هذا الانسان في عالم قبل هذا العالم. ولابد أن صداقة بينكما نشأت في الحياة الأخرى، وأنه جاء ليستأنف هذه الصداقة. الأرواح تتصافح قبل الأيدي والعيون.
وقد لا تكون هناك حياة أخرى قبل هذه الحياة، ولكن المؤكد أنه يوجد تشابه بين ارواح الناس. قد تجد انسانا لا يشبهك في مظهرك الخارجي، ثم تعجب عندما تجد أنه يشبهك من داخلك شبها مذهلا. فيه مزاياك وله عيوبك. يحب ما تحب ويكره ما تكره. يعشق نفس الموسيقى ويمقت نفس المطربة. يشاركك الرأي في الناس والأحداث والافكار وكأنه كان ظلا لك لم يفارقك طول حياتك. وأجمل شيء في الحياة أن تجد من يفهمك. من تجامله فلا يتصور انك تشتمه. ومن تقبله فلا يتألم وكأنك تعضه. ومن تمنحه قلبك فلا يرميه في صندوق القمامة أو سلة المهملات. من تسعده كلمة منك وكأنها مليون جنيه.
كل إنسان له شبيه روحي خلق من نفس الاحساس والعواطف والاحلام. في دمه نفس الكرات الحمراء والبيضاء. في قلبه نفس النبضات. إذا لم تلتق به اليوم فسوف تلتقي به غداً. وقد يكون جالسا بجانبك ولا تراه."
هكذا كان قلم العملاق مصطفى أمين.













Comments