التحدي النفسي
- عمرو قيس
- May 12, 2020
- 2 min read

بين ليلة وضحاها ودون مقدمات أو سابق انذار، انقلب العالم رأسا على عقب بسبب الوباء. فأصبح الانسان مطالباً بالتباعد والانعزال في المنزل. يخشى حتى من احتضان أحباءه خوفا عليهم من نفسه، ومحاولا تحقيق التوازن بين متطلبات العمل عن بعد ومتطلبات حياة العزل الجديدة في المنزل. كل هذا في ظل مخاوف تتراوح بين فقدان عمل وأزمات مالية إلى فقدان الأحبة. وبالطبع تشكل هذه الضغوط - ودون أن نشعر احيانا - تهديدا لصحتنا النفسية والعقلية. فطبقا لنتائج آخر بحث قامت به مؤسسة “Kaiser Family Foundation” يعاني أكثر من نصف مواطني الولايات المتحدة الأمريكية من اضطرابات واضرار نفسية بسبب الوباء. وهو العدد الذي لا يمكن لمؤسسات الصحة العقلية أو حتى مجموعات الدعم النفسي استيعابه، بما يمثل مشكلة تماثل مشكلة عدم استيعاب المستشفيات للأعداد المتزايدة من مرضى الفيروس نفسه.
وإذا أضفنا إلى ما سبق ما صرح به مؤخرا خبراء جامعة "هارفارد" بناء على نماذج المحاكاة التي قاموا بعملها بأن "كوفيد 19" قد جاء ليبقى، أو ليعود في موجات مختلفة مثل الانفلونزا في غياب مصل للوقاية منه. فالمحصلة هي استمرار التباعد بشكل أو بآخر حتى عام 2022 على اقل تقدير. وهو ما يعني أيضًا ان العمل على الوقاية من الآثار النفسية والعقلية السلبية لوباء الكورونا يجب أن يسير بالتوازي مع العمل على الوقاية من الوباء نفسه.
وكما ينصح الأطباء بإجراءات للوقاية من الاصابة بالفيروس والتي بتنا نحفظها عن ظهر قلب بغض النظر عن اتباعها من عدمه أحيانا، فإن الاطباء النفسيون لديهم أيضًا نصائح قد يكون من شأنها الحفاظ على ما تبقى من عقولنا ومساعدة بعضنا البعض على الوقاية من الأمراض النفسية. ولعل أول هذه النصائح هي استبدال كلمة "تباعد اجتماعي" “social distancing” بكلمة "تباعد جسدي " Physical distancing”". بمعنى انه يجب ألا يصاحب التباعد المادي بين الناس تباعد اجتماعي، بل على العكس المزيد من التواصل. فإن كنت على سبيل المثال تتواصل مع صديقك هاتفيا مرة كل أسبوع وتراه مرة كل اسبوعين في الظروف العادية، فيجب ان تحرص على التواصل مرتين في الأسبوع في هذه الظروف. كما يمكننا استخدام الوسائل التكنولوجية لعمل زيارات افتراضية لبعضنا البعض من حين إلى اخر، بل ومشاهدة مسلسلات رمضان سويا والتعليق عليها والمشاركة في أي أنشطة مشابهة. ولا يهم هنا كثرة عدد من نتواصل معهم بقدر عمق العلاقة. فمن المهم ان يشبهك بالقدر الذي يمنحك الثقة والراحة في أن تبوح له بأي مخاوف لديك اولا بأول.
كما أن وضع روتين يومي ثابت يعد حجر الزاوية في خلق التوازن النفسي. على أن يشمل هذا الروتين موعدا ثابتا للاستيقاظ، والعمل، والرياضة، والأكل الصحي وممارسة الهوايات والراحة. مع التقليل من متابعة الاخبار وتحديد أهداف واعمال محددة لإنجازها. بالإضافة إلى وضع حد اقصى للوقت الذي يتم قضاءه امام الشاشات سواء كانت محمول أو كمبيوتر أو تلفزيون.
وتسهم مساعدة الآخرين بشكل كبير في رفع الروح المعنوية وتحسين الحالة النفسية لما تعطيه من إحساس بالقدرة على إحداث الفارق والإسهام بشكل ايجابي في حياة الآخرين ولو بمكالمة هاتفية أو شراء متطلبات بعض الجيران من كبار السن أو أصحاب الأمراض المزمنة.
بالإضافة إلى النصائح العامة السابق ذكرها، توجد أيضًا نصائح خاصة للتعامل مع الاطفال وأصحاب الأمراض المزمنة، وكذلك الخارجين حديثا من الحجر الصحي وذلك للطبيعة الخاصة لحالتهم النفسية التي تتطلب عناية خاصة. وهي متاحة للجميع على الموقع الالكتروني لمنظمة الصحة العالمية.
ختاما، قد يرى البعض أن ما سبق كلام يسهل قوله ويصعب عمله، وهم بلا شك محقون في ذلك إلى حد كبير. إلا أن الأوجب أن نذكر أنفسنا بأنه إذا كان الدواء مر فالداء أمر.. عافانا الله وعافاكم.













Comments