الاختيار
- عمرو قيس
- May 19, 2020
- 2 min read

كنت قد اشرت بايجاز من قبل إلى نتائج دراسة قامت بها جامعة هارفارد لتحديد البلاد الأكثر تأثراً بالثورة الصناعية الرابعة وما سيتبعها من إحلال للذكاء الاصطناعي والحلول التكنولوجية بدلاً من بعض الوظائف الحالية، وكان ذلك قبيل تفشي وباء كورونا بوقت قليل. وقد شملت الدراسة 46 دولة تمثل أكثر من 80% من أجمالي قوة العمل في العالم. وقد أسفرت الدراسة عن حقيقة انه لا توجد دولة أو أي نشاط اقتصادي لن يتأثر من هذا التغير بحلول عام 2022 وإن اختلفت سرعة التأثر من دولة الى أخرى ومن قطاع الى آخر. كما ذكرت بأن نصف الأنشطة الاقتصادية التي يقوم بها الإنسان حالياً مقابل أجر، سيتم إحلالها بواسطة التكنولوجيا وهو ما يقدر ب 1.2 مليار عامل بدوام كامل بقيمة أجور اجمالية تساوى 14.6 ترليون دولار.
تأتى الصين والهند في مقدمة الدول الأكثر تأثراً بالإحلال التكنولوجي محل 700 مليون عامل، تليهما اليابان وأمريكا ليشكلا مع الصين والهند حوالي ثلثي العمالة التي سيتم إحلالها في العالم. ثم نأتي الى فرنسا والمانيا واسبانيا وإيطاليا وإنجلترا، حيث يتوقع إحلال 60 مليون وظيفة بقيمة أجور تزيد عن 1.9 ترليون دولار.
أما عن الدول الأكثر تأثرا في قارتنا السمراء، فتأتى كينيا في الصدارة بنسبة51.9% من الوظائف، تليها المغرب بنسبة 50.5% ثم مصر بنسبة 48.7% ثم نيجيريا وجنوب افريقيا. وسوف تتفاوت سرعة هذا الاحلال التكنولوجي من دولة إلى أخرى بناء على عدة عوامل مثل مستوى الأجور وتكلفة الاحلال التكنولوجي مقارنة بالعائد المتوقع منها، وكذلك توافر المهارات المطلوبة لتفعيل هذا الاحلال. هذا، ويتوقع أن يضيف هذا الاحلال إنتاجية إضافية مساوية لإنتاجية 2 مليار عامل بحلول عام 2056، وهو ما سيسهم في زيادة الدخل القومي بنسبة 1%.
بناء على ما سبق، لم يكن مستغرباً ابداً ان يدخل العالم سباقاً محموماً من اجل الاستعداد بشكل جيد لهذا التغير الجذري المرتقب في المشهد الاقتصادي وسوق العمل. وهو السباق الذي تسارعت وتيرته بشكل كبير مع تفشي وباء كوفيد 19 وما تبعه من حاجة ماسة إلى الاحلال الفوري للعنصر التكنولوجي محل العنصر البشري لتجنب مخاطر هذا الوباء وتبعاته. ولا يقتصر هذا السباق على حكومات الدول فقط، بل يمتد ليشمل الشركات والافراد ايضاً لاكتساب المهارات التي تعد الاهم في الواقع الجديد، وهي مهارات الأعمال " Business Skills " ومهارات التكنولوجيا "Technology Skills” " ومهارات علوم البيانات "Data Science". ويقيس "مؤشر كورسيرا للمهارات العالمية" " Coursera Global Skills Index" كل سنة نتائج الجهود المبذولة في هذا المجال ودرجة تقدم الدول والقطاعات الاقتصادية المختلفة في الاستعداد للثورة الصناعية الرابعة. يشمل المؤشر عينه تتكون من 40 مليون متعلم و60 دولة و10 قطاعات اقتصادية. وكان في مقدمة الدول الأكثر تأهلاً في الترتيب العام وفق المؤشر فنلندا تليها سويسرا ثم النمسا والسويد والمانيا وبلجيكا والنرويج وهولندا. بينما احتلت أمريكا المركز ال 18 وإسرائيل المركز ال 19. وقد أتت مصر في المركز ال 60 بعد بنجلاديش والسعودية وباكستان وتركيا. وجاءت جنوب افريقيا في المركز ال 33 وكينيا ال 42 ونيجيريا ال 53.
وفي ضوء ما سبق يتضح أنه إذا كانت الثورة الصناعية الرابعة قد فرضت علينا كأفراد أو شركات أو حكومات الدخول في سباق محموم للحاق بها، فإن كوفيد 19 قد حول هذا السباق إلى صراع مرير ليس فقط من اجل اللحاق بالثورة الصناعية الرابعة بل من أجل البقاء. وهو صراع اجباري وليس اختياري، إلا إذا كان الفشل هو اختيارنا.













Comments