top of page

وقفة مع العنصرية

  • عمرو قيس
  • Jun 9, 2020
  • 2 min read



غريب أمر هذه الدولة التي بقدر ما أبهرتنا بديموقراطيتها و أذهلتنا بإنجازاتها بقدر ما حيرتنا بتناقضاتها. فها هي الولايات المتحدة الأمريكية التي أتى مواطنوها "بباراك أوباما" كأول رئيس للجمهورية من اصول افريقية بملء ارادتهم من خلال انتخابات ديمقراطية عام 2008 , ثم أعادوا انتخابه لفترة أخرى سنة 2012 تعاني الآن من تبعات واقعة كشفت عن الوجه القبيح لعنصرية لا تزال تضرب في جذور مجتمعها, رغم تصور البعض انها حقبة قد ولت و انتهت. فأي دليل أقوى من انتخاب رئيس من أصول افريقية بل و اعادة انتخابه على زوال تلك الحقبة؟


و بعيدا عن الانتخابات الرئاسية، لنقترب قليلا لنرى الواقع الذي يعيشه المواطنون من أصول افريقية مقارنة بأمثالهم من ذوي البشرة البيضاء. فطبقا لبيانات الجهات الحكومية الأمريكية نفسها، فنسبة البطالة بينهم تصل إلى ضعف نسبة البطالة بين المواطنين ذوي البشرة البيضاء. و من يعمل منهم يتقاضى راتبا اقل بنسبة 25 % عن مثيله من البيض الذي يشغل نفس الوظيفة. كما تبلغ نسبة السود من اجمالي الذين يتم إيقافهم من قبل شرطة نيويورك 88 % مقابل 10 % فقط من البيض. و تبلغ نسبة الأبرياء ممن يتم استيقافهم من السود 70 %. والأدهى من ذلك أنه ُيحكم على السود بقضاء عقوبات أطول في السجون بنسبة 19,1 % مقارنة بالبيض عن نفس الجريمة. و حتى عندما ضرب وباء الكورونا امريكا - والتي يشكل ذوو الأصول الافريقية 14 % من اجمالي عدد سكانها – زادت وفياتهم من جراء الوباء عن ثلث اجمالي الوفيات على مستوى امريكا كلها.


و على الرغم من أن ما سبق ما هو إلا عينه صغيرة من بعض المؤشرات الكثيرة المتاحة للجميع عن وضع ذوي الأصول الأفريقية في المجتمع الأمريكي، إلا أنها تعطي رسالة و عبرة قوية فحواها بأن تجميل الواقع و اطلاق الشعارات البراقة بدون التعامل مع جذور المشكلة واصلاح الخلل يصنع قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة. و لعل هذه الرسالة ليست موجهة إلى امريكا فقط بسبب التمييز ضد ذوي الأصول الافريقية بها. فالعنصرية تعرف بأنها " الاعتقاد بأن طائفة أو جنسا أو عرقا أعلى أو ارقى من الطوائف و الأجناس الأخرى". وتتريب على هذا الأعتقاد تصرفات من شأنها التفرقة في الحقوق و الواجبات. بل وقد تعزز التربية و التعليم و الاعلام و غيرها من آفات تلك التفرقة . فنرى انعكاسات كل ذلك في تصرفاتنا التي يشوبها الكثير من التناقض في أحيان عديدة. و نجد نفس الشخص الذي يبدي جل تعاطفه مع حقوق السود في أمريكا من خلال صفحته على شبكات التواصل الاجتماعي ينشر أيضا سبابا أو تهكما فجا لمواطني دول بعينها مقدما نموذج يدرس للعنصرية في أسوأ صورها!!. و لا يقتصر ذلك فقط مع الاسف على بعض المواطنين العاديين, بل يمتد ليشمل بعض الاعلاميين و الفنانين اللذين اتخذ البعض منهم العنصرية بشكل أو بآخر مادة و عنوان لأعمالهم الفنية لإضحاك و تسلية الجمهور، الأمر الذي أدى في كثير من الأحيان إلى توتر العلاقات بيننا و بين الكثير من الدول و شعوبها.


ربما هي فرصة لوقفة مفيدة مع النفس, لإدراك أهمية التفرقة بين ما هو مقبول و محمود من قبيل الاعتزاز بالنفس، و بين ما يعد نظرة دونية أو عنصرية لمن يختلف عنا في أي شيء.. وأكرر في أي شيء.

 
 
 

Comments


Search By Tags
Who Am I?

Dr. Amr Kais is a participating faculty at the AUC, a designated lecturer of various institutions, a Certified Management Consultant & Coach, also the founder and MD of Ipsos Egypt which is now the largest research company in Egypt and Middle East.

Other Posts
More on the web
Follow Me
  • Facebook Basic Black
  • Twitter Basic Black
  • Black YouTube Icon

© 2016 Amr Kais

bottom of page