القوة الناعمة اليوم
- Amr Kais
- Aug 18, 2024
- 2 min read

وردت لي هذه الرسالة من قارئة تعقيبا على مقال الأسبوع الماضي، أنشرها كما وردتني:
قرأت لك الأسبوع الماضي مقالًا بعنوان "100 مليون ثقافة" الذي انطوى ضمن أمور عدة على مقترح أن تتبنى مسارح وهيئات الثقافة التابعة للدولة مبادرة إصدار بطاقة ُمشاهد الكترونية لمن هم في سن 15 إلى 18 سنة لحضور الفعاليات الثقافية بالمجان، تشجيعا لتلك الفئة العمرية على تذوق الفنون الرفيعة والارتقاء بالذوق العام.
ورغم اتفاقي معك على أهمية هذا المقترح، أثمن وضع عدة عوامل أخرى في الاعتبار لإنجاح التجربة.
فكأحد المهتمين بالعروض الفنية والثقافية لمسارح وقصور ثقافة الدولة، أرى أن الكثير من تلك العروض الجيدة جداً شكلا ومضموناً متاحة فعليا للراشدين وليس فقط للفئة العمرية من 15 ل 18 إما بسعر رمزي وإما بالمجان. لكن الإشكالية الحقيقية هي أن نسبة الحضور تكون عادة محدودة للغاية رغم جودة المقدم.
فما الذي يضمن أن تستجيب الفئات العمرية الأصغر وتتحمس لترك هواتفها وأغاني المهرجانات والتيك توك لحضور عرض مسرحي مغاير لذوقها الحالي، حتى وإن كان ذو قيمة وبالمجان؟
يأخذنا هذا بالتالي لدور التسويق القادر على اجتذاب الفئات العمرية الأصغر لما هو أقيم وأبقى.
الأمر بالطبع يحتاج إلى نفس طويل من خلال دراسات تسويقية على مراحل لتغيير أفضليات بات من الصعب الاقتراب منها.
لكن، من هي الجهة القادرة على تحمل نفقات تلك الدراسات التسويقية؟
هل نأمل أن يتكفل بها بعض رجال الأعمال كجزء من "المسئولية الاجتماعية للشركات" نظير حوافز ضريبية ُتمنح للمشاركين بتلك المبادرات؟
العامل الآخر الهام هو دور المناخ الثقافي والإعلامي الحالي في تهيئة النشأ على أن يشب على ثقافة وذوق أرقى.
ففي الثمانينيات مثلا، تربينا على "مهرجان القراءة للجميع" حين كان الكتاب متاحًا بجنيه واحد. وكانت القنوات التليفزيونية تحثنا -بالتعاون مع المدارس والآباء- على القراءة التي أثرت عقولنا، وأتاحت لنا آنذاك الاضطلاع على زخم معلومات وأدب عالمي ومصري قيم.
فأين مهرجان القراءة للجميع اليوم في صورته الجديدة القادرة على اجتذاب الجيل الحالي؟
أين برامج الأطفال على غرار "عمو فؤاد" و"جدو عبده" التي كانت تقدم في أقصوصة معلومات علمية بطريقة بسيطة وشيقة؟
أين برامج أطفال مثل "صباح الخير" تطل منه الجميلة نجوى إبراهيم لتعلمنا لياقة الحديث والأكل وعدة قيم إنسانية؟
ثم أين أعياد الطفولة التي كانت تمتعنا خلالها الرائعة صفاء أبو السعود بأغاني مثل "في الكتب قرينا" وغيرها الكثير.
أين المسلسلات التاريخية من الخريطة الرمضانية منذ سنوات؟ وأين مسلسلات السير الذاتية للنماذج القدوة أمثال د.مصطفى مشرفة للمخرجة الكبيرة إنعام محمد على؟
أين دور الرقيب الذي كان لا يسمح بمرور لفظ أو زي أو فكر غير لائق في مسلسل يقتحم منازلنا، وقد صارت الكثير من المسلسلات الآن +14؟!
أؤمن أن مصر لازالت ولادة بمواهب وفنون واعدة وقادرة على إحداث تغيير، والدليل على ذلك عرضين حضرت أحدهما مؤخرا وهو المسرحية الغنائية الاستعراضية "مش روميو وجولييت" على المسرح القومي العريق.
والعرض الآخر هو "نوستالجيا 80/90" على مسرح السامر التابع للهيئة العامة لقصور الثقافة، والذي كان كامل العدد خلال ليالي عرضه القليلة، وكان بالمناسبة بالمجان للراشدين وليس فقط للطلبة.
الحقيقة أن السمات المشتركة بين "مش روميو وجولييت" و "نوستالجيا 80/90" أنهما عرضين يتمتعان بجودة المحتوى السمعي والبصري والتقني القادر على اجتذاب فئات عمرية متباينة، تم/ يتم عرضهما على مسارح الدولة، وحظيا على غير العادة بحضور جماهيري كثيف.
لكن عامل الترويج الأهم لكلاهما هو بلغة التسويق "كلام الناس - word of mouth"، وهو بالطبع ليس كافيا وحده لضمان نسبة مشاهدة واسعة النطاق لتجارب فنية أخرى مميزة.
أشكرك على سعة صدرك، وأتمنى أن نرى في المستقبل القريب مبادرة "100 مليون ثقافة" قادرة على إيجاد بديل أفضل لما يشاهده جيل اليوم من قبح.
فيروز جبر













Comments