المكيافيليه و الميركليه
- Amr Kais
- Dec 12, 2021
- 2 min read

طالما كانت "المكيافيليه" على مدار الحقب المختلفة وحتى الآن المدرسة المفضلة التي ينتمي اليها الكثير من الساسة وبكل فخر. فهي توفر الغطاء الشرعي والمبرر للكثير من الجرائم و الأعمال اللاأخلاقية التي يرتكبونها. فوفق مبادئ تلك المدرسة التي ارساها "نيكولو مكيافيلي" فإن توظيف المكر والازدواجية و الخداع يعد مؤشرا على الكفاءة السياسية و التميز في العمل العام و يعد عملا مشروعا. وهو أيضاً المذهبٍ الفكري و السياسي الذي تم تلخيصه في عبارة "الغاية تبرر الوسيلة" . إلى أن جاءت المدرسة "الميركليّة" لتضع المدرسة "المكيافيليه " و اتباعها في مأزق. "فالميركليه" هي الأسم الذي أطلقه الخبراء والمحللون السياسيون على الأسلوب الفريد و النموذج السياسي الاستثنائي الذي يتميز بنظافة اليد والهدوء والتمسك بالقضايا الإنسانية، و القرارات القوية ذات الطابع الإنساني الذي قدمته "أنجيلا ميركل" على مدار 16 عاما من حكمها للقوة الاقتصادية الأولى أوروبيا و الرابعة عالميا. فلم ترضخ يوما لضغوط، ولم تفعل إلا ما تراه مناسبا، حتى لو واجهتها عاصفة انتقادات أو موجة ضغوط.
كانت "أنجيلا ميركل" أول سيده تصل إلى سدة الحكم في المانيا لتحكمها من عام 2005 إلى عام 2021 و هي الفتره التي شهدت أحداث كثيرة عصيبة شكلت اختبارات صعبة ليس فقط لقدراتها و لكن لمصداقيتها و مدى قدرتها على التمسك بقناعاتها الأخلاقية. فقد عاصرت الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي واجهت منطقة اليورو عام 2008 التي جعلت دولا مثل اليونان و اسبانيا و ايطاليا على حافة الإفلاس. الأمر الذي جعلها لا تتردد في الوقوف مع هذه الدول و مد يد العون لها و مشاركتها في ديونها و إعلان سياسات تقشفية شديدة الصرامة للحفاظ على وحدة و قوة السوق الأوروبية التي تنتمي اليها المانيا بغض النظر عن مصلحتها في الأجل القصير. كما عاصرت ايضا أزمة اللاجئين الشهيرة عام 2015 لتقرر فتح حدود المانيا لإستقبال اكثر من مليون لاجيء من الشرق الأوسط على عكس ما قامت به كل الدول الأوروبية الأخرى. و كان عليها ايضا التعامل بأسلوب يتسم بالحكمة و الحصافة مع تحديات أخرى كثيرة، مثل وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في زمن صعود النزعات الشعبوية. و هو الأسلوب الذي أهلها للقب "زعيمة العالم الحر" و لقب " المركز الأخلاقي للعالم". و كذلك حصولها على الدكتوراه الفخريه من جامعة هارفارد عام 2019، و ذلك لقيادة ميركل الحازمة في الساحة العالمية ودفاعها الذي لا يلين عن المُثل الديمقراطية والتعاون الدولي، وفق ما صرحت به ادارة الجامعة.
و في الأسبوع الماضي، ودعت "ميركل" السلطة وسط احتفاء غير مسبوق للتعبير عن الشكر والتقدير والاحترام لهذه الزعيمة الاستثنائية ليس فقط من الألمان و لكن من العالم اجمع. و هو ما يؤكد فاعلية و نجاح المدرسة "الميركليه" لمن يتدبر و يعتبر من الساسة. و قبيل رحيلها قالت لشعبها: " أود أن أشجعكم على رؤية العالم دائمًا من خلال عيون الآخر وكذلك إدراك وجهات النظر المختلفة". " يمكننا الاستمرار في تشكيل المستقبل بشكل جيد إذا لم نذهب للعمل بالاستياء والتشاؤم، بل بالسعادة في قلوبنا". " هذه هي السعادة في قلبي التي أتمناها لكم جميعًا، لبلدنا في المستقبل أيضًا".
يحق الآن "لميركل" أن تمارس موهبتها المفضلة في طهي حساء البطاطس و كعكة البرقوق في شقتها الصغيرة التي رفضت أن تبرحها حين تولت السلطة، و أن تستمتع بهوايتها الأخرى و هي مشاهدة مباريات كرة القدم و عروض الاوبرا. و الأهم من ذلك أنها ستنام ملء جفونها مستريحة الضمير.













Comments