الواقع الجديد (2)
- Amr Kais
- May 16, 2021
- 2 min read

كنا قد ألقينا الضوء في المقال السابق على بعض التحولات التي تسهم بشكل كبير في تشكيل الواقع الجديد في كل المجالات. و هي التحولات التي اسهم وباء "كوفيد19 " إما في وجودها أو في تسارعها بشكل كبير. و قد أطلق عليها "الواقع الجديد" لتوقع استمرارها بغض النظر عن استمرار الوباء من عدمه لما تضمنته هذه التحولات من أساليب أكثر ذكاءً و كفاءةً و فاعلية من الأساليب التقليدية السائدة. و من ثم، لا يوجد بديل سوى استيعاب هذه التحولات الأمر الذي يتوقف بدوره إلى حد كبير على التحلي بالمرونة والإلمام بـالتكنلوجيا و القدرة على التوظيف الصحيح لها سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات و من قبلهما الحكومات.
بعد أن تحدثنا عن التحولات في الصحة و التعليم في الأسبوع الماضي يأتي الدور على سوق العمل بمكوناته المختلفة. و لعل أهمها العنصر البشري؛ حيث أن التطور المتسارع حولنا سيجعل ما نكتسبه من علم و مهارات من نظام التعليم غير كاف على مدار حياتنا الوظيفية التي قد تمتد لسن قد يتجاوز السبعين عاماً. و التي سيصعب معها البقاء في مهنة أو تخصص واحد أو حتى اثنين أو ثلاثة على مدار تلك السنوات. بما يتطلب اكتساب مستمر لمهارات جديدة بشكل سريع لإعادة التأهيل و الانتقال الناجح من المهن التي سيتم احلالها تكنلوجيا إلى مهن جديدة مطلوبة في سوق العمل. و من ثم سيقع جزء من عبء اعادة التأهيل و اكساب المهارات على مؤسسات الأعمال و الأفراد أنفسهم باستخدام منصات التعليم الرقمي و غيرها من الوسائل التعليمية التكنلوجية المستحدثة. كما أن مفهوم العمل عن بعد الذي جاء ليبقى بدرجات متفاوتة بما اتاحه من مرونة و قدره اكبر على الحصول على الكفاءات المطلوبة بغض النظر عن النطاق الجغرافي، قد فرض أيضًا معه تحديات مرتبطة بتحقيق التوازن في الحقوق القانونية بين العامل والمؤسسة من ناحية و تحقيق التوازن بين حقوق العامل عن بعد وواجباته من ناحيه أخرى. و كذلك كيفية تنمية روح الفريق و الانتماء رغم العمل عن بعد، و هو ما يتطلب بعض التعديلات التشريعية في قوانين العمل و استحداث أساليب و ادوات جديده لتقييم أداء العاملين عن بعد و تحفيزهم و تعزيز ارتباطهم بشركاتهم.
ثم نأتي إلى الإدارة الحكومية و على رأسها ما ُيطلق عليه ال”contactless government” أو التعامل مع الجهات الحكومية عن بعد من خلال تكنلوجيا الهويات الرقمية، و الذي ارتفع استخدامه عالمياً بين ليلة و ضحاها من 37% إلى 66% في كل القطاعات بفعل الوباء. و هو ما يؤدي إلى خفض تكلفة الخدمات و مكافحة الفساد بشكل كبير و لكن يتطلب معه توفير عنصر الأمان لضمان احترام خصوصية بيانات المواطنين. كما يتطلب اعادة النظر في مؤهلات و امكانيات الموظف الحكومي في ضوء التغير في مسئولياته ومهامه. أما عن الأصول الحكومية المملوكة للدولة، فيكفي أن نعلم بأن قيمتها تزيد 200% عن قيمة الدخل القومي الإجمالي لندرك أهمية ادارة هذه الأصول بكفاءة و بعقلية المستثمر و ابتكار أنماط غير تقليدية بمشاركة القطاع الخاص لتعظيم العائد منها. و هو ما نجحت فيه سنغافورة لتحقق زياده قدرها 3 مليار دولار في ايرادات الاستثمار في أصولها الحكومية في العام الماضي لتعوض به جزء مما لحق باقتصادها من خسائر من جراء الوباء و توابعه.
و ختاماً، تجدر الإشارة إلى أن ما سبق لا يعدوا أن يكون أمثلة محدودة للفت النظر نحو ذلك الواقع الجديد الذي يتشكل في كل مجالات حياتنا و ليس فقط في المجالات السابق ذكرها. و على الرغم من ذلك، فأتصور بأنها كافيه جدا لحث القائمين على "رؤية مصر 2030" على مراجعة بعض ما جاء فيها في ضوء هذا "الواقع الجديد".













Comments