زلزال نيويورك!
- Amr Kais
- Jun 28
- 2 min read

في المدينة التي تعرف بأنها لا تنام، والتي كانت دوما مرآة للتيارات والاتجاهات السياسية الأميركية، وفي عهد ترامب الشديد الموالاة لإسرائيل وللرأسمالية ولسطوة المال ورجال الأعمال، جاء الفوز الكاسح "لزهران ممداني" في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لرئاسة بلدية نيويورك ليزلزل المدينة، وليكسر القالب، لا فقط في النتيجة، بل في الطريقة، والأسلوب، والرسالة، والرمزية. فهو شاب مسلم يبلغ من العمر ثلاثة وثلاثون ربيعا، من أصول مهاجرة أوغندية وهندية، جاء ليعتلي المشهد السياسي في نيويورك، متفوقًا على "أندرو كومو" الحاكم السابق لنيويورك والمدعوم من أسماء ثقيلة مثل الرئيس السابق بيل كلينتون ومايكل بلومبرج صاحب مؤسسة بلومبرج الاعلامية وعمدة نيويورك الأسبق، في لحظة تختلط فيها السياسة بالهوية، والحنين للماضي بالمستقبل، والوضوح بالضجيج.
يرى المحللون السياسيون أن ما حدث ليس مجرد فوز إنتخابي بقدر ما هو إعلان صريح بأن هناك جيلًا جديدًا من الناخبين لم يعد يكتفي بالوعود، ولا يثق في "الخبرة" التي راكمت الأزمات بدلًا من حلها. جيل ُيقدر ويؤيد من يخاطبه بلغته العملية الواضحة المباشرة، وليس من يلقنه شعارات من زمن آخر. وبعبارة أوضح، فلم يحاول ممداني أن يقدّم نفسه كمنقذ، بل كفرد من عامة الناس. فتحدث عن مجانية الحافلات، ورعاية الأطفال، وضبط الإيجارات، ورفع الحد الأدنى للأجور. لم يقدّم خطة اقتصادية مفصلة، لكنه قدّم شيئًا أهم: رؤية، وصدق، وشجاعة في الطرح. في زمن باتت فيه السياسة فنًّا للتمويه، جاء ممداني ليقول الأمور كما هي، دون رتوش .أما خصمه "اندرو كومو"، فكان يمثل كل ما سئم منه الناس؛ حملة تقليدية، دعم من ُنخب فقدت بريقها، وخطاب يذكّرنا بزمن لم يعد صالحًا. حتى محاولاته لتشويه "ممداني" عبر اتهامه بعدم الخبرة، ارتدت عليه. فالمعركة لم تكن بين "الخبير" و"المبتدئ"، بل بين من يمثل الماضي، ومن يجسّد المستقبل. واللافت أن ممداني لم ينتصر فقط بخطابه، بل بطريقة تنظيمه. أكثر من 50 ألف متطوع، طرقوا أبواب 1.5 مليون منزل. حملة رقمية ذكية، تجاوزت الإعلام التقليدي، ووصلت إلى الناس حيث هم؛ في هواتفهم .. في شوارعهم .. والأهم في قلوبهم. وهنا بيت القصيد، فالسياسة لم تعد حكرًا على من يملك المال أو النفوذ، بل على من يملك الشجاعة، والقدرة على التنظيم، والقدرة على الإصغاء. فممداني لم يأتِ من فراغ، بل ملأ فراغ تركه الآخرون.
قد يتسائل البعض حول قابلية هذا النموذج للتعميم؟ ربما لا. لأن نيويورك ليست أمريكا، و لأن ما يصلح في بروكلين قد لا ينجح في تكساس. لكن ما هو قابل للتعميم وبلا شك حقيقة أن هناك جيل جديد، لا يريد أن يُدار، بل يشارك في الإدارة. لا يريد إملاءً من غيره بل إصغاءً لصوته.. جيل أصابه الملل من الشخصيات السياسية التقليدية وشعاراتها المستهلكة. جيل قادر على أن يتفوق على المال والنفوذ بأفكاره الخلاقة وتنظيمه، مهتم بالقضايا المعيشية أكثر من الوعود البراقة، ويفضل المصداقية على الخبرة التي تخصصت في دفن المشاكل بدلا من حلها. لذا، وعلى ما يبدو ، ففوز ممداني ليس نهاية القصة، بل بدايتها. قصة السياسة التي يمكن أن تكون صادقة، والتنظيم الشعبي الذي يمكن أن يكون أقوى من المال .. قصة مفادها أن المستقبل لا ينتظر أحدًا... بل يصنعه من يجرؤ.













Comments