لآخر نفس
- Amr Kais
- Feb 23, 2021
- 2 min read

عبر آلاف السنين و حتى الآن، بقيت الحيوانات تعيش في الغابات دون أن يطرأ عليها أي تطور، بينما تطور الإنسان من الإختباء في الكهوف إبان العصر الحجري إلى غزو الفضاء في العصر الحديث. و يعزي العلماء هذا التطور إلى الخاصية الرئيسية التي تميز العقل البشري عن عقل الحيوان و هي الابتكار. و الابتكار هو القدرة على رؤية عالم لم يأت بعد و أشياء لم توجد بعد و العمل على تحويلها إلى واقع. ولا يعني ذلك بأن الأبتكار يرتبط فقط بالاكتشافات والاختراعات الكبرى، بل يمتد ليشمل كافة مناحي الحياة. فتوافر القدرة على الابتكار كان شرطاً لنبوغ "اينشتاين" و "بيكاسو" على حد سواء رغم تباين مجال ابدعهما.
و قد حظي موضوع قدرة العقل البشري على الابتكار بنصيب الأسد من الدراسات و الأبحاث العلمية على مدار سنوات نظرا لأهميته الكبرى السابق ذكرها، و أيضًا لقيمته الاقتصادية. فيكفي ان نعلم بأن قيمة مبيعات المنتجات التي يعد الابتكار مكون أساسي فيها قد بلغت 509 مليار دولار عام 2015 ناهيك عن القيمة السوقية للشركات القائمة على قدرة أصحابها الابتكاريه في خلق سلع و خدمات لم يعرفها أو يطلبها المستهلك بعد. و عند طرحها تصبح لا غنى عنها. أما الآن، فقد تحول الاهتمام بالابتكار إلى معركة من أجل البقاء في ضوء البدء في احلال الذكاء الاصطناعي كبديل للإنسان في الكثير من الوظائف و الذي اصبح يسير بوتيره اسرع بسبب وباء الكورونا وتداعياتها . فقد ثبت أن الابتكار هو القدرة العقلية الوحيدة التي لا يمكن احلالها "بخوارزميات" أو ما يعرف بـ”algorithm” لتبقى في مأمن من هذا الاحلال. و هو ما أدى إلى اعادة تشكيل لسوق العمل ليصبح متمحورا حول الأبتكار بدلا من الأنتاجيه التي سيتكفل بها الذكاء الاصطناعي. ففي دراسة تحليلية لأكثر من 2 مليون طلب توظيف في 18 مجال مختلف، وجد بأن الأبتكار هو القاسم المشترك بين متطلبات شغل أكثر من نصف هذه الوظائف. لذا، لم يكن مستغربا ان يحتل الابتكار قمة المهارات التي ركز عليها "المنتدى الإقتصادي العالمي" في تقريره الأخير حول مستقبل سوق العمل. و لم يكن مستغربا أيضًا أن تخصص الأمم المتحده يوم 21/4 من كل عام ليكون "اليوم العالمي للابتكار" لنشر الوعي بأهميته.
و قد اسهمت الأبحاث الغزيرة في إلقاء الضوء على اساليب تنمية القدرات العقليه للابتكار و التي تسابقت الكثير من الدول في تطبيقها في مراحل التعليم المختلفة و كذلك في اعادة تدريب العاملين في المجالات المختلفه لانقاذهم من خطر البطالة. خصوصا و ان تلك الأبحاث اثبتت أيضًا عدم صحة فرضية توهج القدرة على الابتكار فقط في السن الصغير. فقد تبين وجود ذروتين لتوهج القدرة على الابتكار؛ الأولى في منتصف العشرينات من العمر و يطلق عليها "الابتكار التصوري“conceptual creativity” وهو الابتكار الذي يقلب الطاولة و يتحدى الأعراف و الأساليب السائدة و المتعارف عليها. و مثال على ذلك "اينشتاين" و "بيكاسو" و "توماس اليوت" وغيرهم ممن توهجت قدراتهم الابتكارية في العشرينات من العمر. أما الذروه الثانيه هي منتصف الخمسينات و يطلق عليها "الابتكار التجريبي" “experimental creativity”و هو الابتكار المبني على استيعاب الخبرات و النظريات السابقة بما لها و ما عليها و ابتكار أساليب و رؤى مختلفه. و لعل "جوجان" الذي رسم أول لوحاته في الاربعينات خير مثال على ذلك بالإضافة إلى العالم "داروين".
نستخلص من ما سبق بأن الله قد أنعم علينا بأن أودع في كل منا هذا العقل القادر على الأبتكار و الإبداع لآخر نفس في عمرنا، و أن علينا ان نقدر هذه النعمة بشحذها و تنميتها بدلا من تركها للتيبس و الضمور.













Comments