مؤشر المستقبل
- Amr Kais
- Feb 19, 2023
- 2 min read

تناولنا في مقال سابق حقيقة تحول المنافسة الاقتصادية بين الدول من العمل على استقطاب الشركات العالمية الكبرى للاستثمار فيها الى العمل على اجتذاب و تنمية و احتضان ذوي المهارات ومبادرات الأعمال والشركات الناشئة. وذلك بعد أن أثبت الواقع العملي قدرة تلك المبادرات على التحول إلى كيانات عملاقه مثل "جوجل" و "أبل" و"على بابا" وغيرها والتي أصبحت تشكل رافداً رئيسياً من روافد اقتصاديات الدول وتعزز مكانتها التنافسية. و بعد ان أصبح تطوير مهارات الإنسان هو السبيل الوحيد لحمايته من البطالة بسبب احلال التكنولوجيا مكانه في كثير من الوظائف، ومنذ أن بات هذا التوجه واقعاً، كان لزاماً أن يتواجد مؤشر موضوعي لقياس مدى نجاح الخطط والسياسات التي تتخذها الدول في هذا الشأن. وهو بالضبط ما عكفت جامعة " إنسياد" "Insead" العريقة على عمله منذ أن بدأ هذا التوجه في النمو. فمنذ عام 2013 تصدر الجامعة تقرير سنوي يقيس أداء 133 دولة في مجال اجتذاب وتنمية المهارات ومبادرات الأعمال وهو " GTCI" "Global Talent Competitiveness Index". وقد صدرت مؤخراً (منذ شهرين تحديدا) النسخة الأخيرة من هذا التقرير لتحتل المقدمة فيه سويسرا تليها سنغافورة ثم الدانمارك وأمريكا والسويد وهولندا والنرويج وفنلندا على التوالي. وبالنسبة لدول الشرق الأوسط، فقد احتلت إسرائيل المركز الأول على مستوى الشرق الأوسط وال 23 عالمياً، تليها دولة الإمارات في المركز الثاني وال 25 عالمياً، ثم قطر والسعودية والبحرين وعمان والأردن ولبنان والكويت. ثم أتت مصر في المركز ال 15 على مستوى دول الشرق الأوسط وال 86 عالمياً. أما عن آخر المراكز، فكان من نصيب التشاد في المركز ال 133 بعد الكونغو وإثيوبيا وانجولا. وقد كان تبوأ دولة الإمارات قمة الدول العربية و صدارة دول الشرق الأوسط في هذا المجال متوقعاً ومنطقياً جداً في ضوء السياسات التي انتهجتها والإجراءات التي قامت بها والتي سبق التنويه عنها في مقالات سابقة. أضف إلى ذلك النتائج والنجاحات التي تحققت بالفعل بفضل تلك الإجراءات والسياسات. ويتم احتساب ترتيب كل دولة عن طريق تقييم تفصيلي للعوامل التي تؤثر في قدرتها على تمكين وجذب وتنمية والاحتفاظ بأصحاب المهارات ومبادرات الأعمال كل عامل على حده. فمثلاً في مجال التمكين، يتم تقييم كفاءة الإجراءات التنظيمية للسوق والعمالة. وفي مجال التنمية، يتم تقييم السياسات التعليمية وفرص التعليم المستمر والنمو، وهكذا بالنسبة لباقي العوامل.
ولا تقتصر قيمة وأهمية هذا التقرير على معرفة ترتيب الدول الذي يعكس مدى نجاحها أو فشلها في صنع مستقبل اقتصادي أكثر تنافسية وازدهارا عن طريق احتضان وتنمية مهارات مبادرات الأعمال. لكن تمتد لتشمل دروساً قيمة لمن يريد أن يقرأ ويعتبر و يستفيد من أفضل الممارسات والتجارب للدول التي نجحت في هذا المجال. فالتقرير يزيد حجمه عن 336 صفحة و يفرد صفحات تفصيلية لكل دولة على حده لاستعراض الأسس التفصيلية لتقييمها و ما قامت به من سياسات و الآثار التي ترتبت عليها. و هو ما يعد مرجعا قيما لمن يهمه الأمر و لمتخذ القرار في هذا المجال.
ولو أردنا تلخيص واستخلاص لب التقرير في جملة واحدة فستكون "إن قدرتنا على تطوير الانسان و اكسابه مهارات جديدة تواكب التطور التكنولوجي و قدرتنا على اجتذاب و المحافظة على أصحاب تلك المهارات هو نقطة البداية والأساس، بل والسبيل الوحيد لصناعة المستقبل الذي نأمله ". و لو أردنا اختيار عنوانا معبرا عن التقرير فسيكون و بلا شك" مؤشر المستقبل".













Comments