ما وراء الممرات
- Amr Kais
- Jul 12
- 2 min read

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتغير أولويات السياسات الصناعية، يشهد العالم اليوم تحولاً جذرياً في ممرات التجارة العالمية، يعكس إعادة تشكيل عميقة في أسس الاقتصاد الدولي. فلم تعد التجارة مجرد تبادل للسلع عبر خطوط مستقرة، بل أصبحت ساحة ديناميكية تتأثر بالتحالفات السياسية، والإعتبارات الأمنية، وتوجهات الشركات نحو المرونة والإستدامة. وهو ما أكدته دراسة حديثة صادرة عن مؤسسة "ماكينزي"؛ حيث أشارت إلى أن أكثر من 30% من التجارة العالمية قد تنتقل من ممرات تقليدية إلى أخرى جديدة بحلول عام 2035 بفعل سيناريوهات متوقع حدوثها تتراوح بين التفكك الجيوسياسي والتنوع الإستراتيجي. هذا التحول لا يقتصر فقط على تغيير المسارات، بل يعكس تغيراً في فلسفة التجارة نفسها، من الإنفتاح الإقتصادي إلى الحماية المبررة بالأمن القومي.
ففي سيناريو "التفكك الجيوسياسي"، تأخذ العلاقات التجارية بين الدول المتقدمة إقتصاديا في جانب والصين وروسيا في الجانب الآخر في التراجع، مع إرتفاع الرسوم الجمركية إلى مستويات تصل إلى 60% على السلع الحيوية. في المقابل، تنمو الممرات بين الدول الناشئة إقتصاديا، لتصبح أكثر أماناً في ظل هذا التفكك. أما في سيناريو "التنوع الإستراتيجي"، فتسعى الشركات العالمية إلى تنويع شبكات الإمداد لتقليل مخاطر الإعتماد على مصادر توريد مركزة، مما يؤدي إلى إعادة توزيع التجارة عبر ممرات غير تقليدية. وتعد القطاعات الأكثر تأثراً بهذه التحولات هي الإلكترونيات، والمنسوجات، والآلات، نظراً لإعتمادها على سلاسل إمداد تمتد عبر بلدان متباعدة سياسياً. و كذلك على الموارد الطبيعية مثل مصادر الطاقة والمعادن. أما الممرات غير التقليدية، فلدينا مشروع طريق التنمية العراقي الذي يربط ميناء الفاو بالخليج العربي مرورًا بتركيا وصولًا إلى أوروبا، ويعد بديلاً بريًا أسرع من قناة السويس. كما أن هناك الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي يهدف إلى ربط الهند بأوروبا عبر شبكة من السكك الحديدية والموانئ في الخليج وإسرائيل، مما يقلل الإعتماد على قناة السويس. هذا بالإضافة إلى الممر الأوسط والممر الجنوبي اللذان يربطان الصين وآسيا الوسطى بأوروبا عبر بحر قزوين وتركيا أو إيران، وقد شهدت هذه الممرات نموًا بنسبة 150% في حجم التجارة خلال عام واحد. ولا تعد هذه الممرات مجرد طرق بديلة لحركة التجارة بقدر ما تعكس تحولات في موازين القوى الاقتصادية؛ حيث تصبح كل دوله تقع على هذه المسارات لاعبة رئيسية في التجارة العالمية. وفي هذا السياق، تكتسب الأسواق الناشئة أهمية متزايدة، ليس فقط كمصدر للسلع والخامات، بل كمحور لإعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية. و هو ما يخلق أمام منطقة قناة السويس الكثير من التحديات و الكثير من الفرص أيضا. وإن كانت الاستفادة من هذه الفرص تتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وتنسيقاً سياسياً عابراً للحدود، وتبني أدوات رقمية مثل البلوك تشين – Blockchain لتسهيل الإجراءات الجمركية وتعزيز الشفافية.
وفي الواقع، فنحن أمام لحظة مفصلية في تاريخ التجارة العالمية، تتقاطع فيها الجغرافيا مع العوامل الجيوسياسية، وتتحول فيها الممرات من مجرد خطوط على الخريطة إلى أدوات إستراتيجية تستخدم لإعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي. وهو ما يفرض على صناع القرار أن يدركوا أن المستقبل لن يكون إمتداداً للماضي، بل تتم صياغتة الآن بشكل مختلف. الأمر الذي يتطلب فهماً عميقاً للمتغيرات السابق ذكرها، واستجابة ذكية وسريعة، واستشرافا بعيد المدى. فمن المؤكد أن قناة السويس لن تكون بحلول عام 2035 كما هي الآن. أما كيف سيكون مآلها، فذلك رهن نتاج ومحصلة ما نقوم به اليوم.













Comments